احمد حسن فرحات
197
في علوم القرآن
أصبحوا أمما متعددة وشعوبا مختلفة ، وأن اللّه تعالى كان يتعهدهم بالأنبياء والرسالات ، والتي كانت واحدة في العقائد وأصول العبادات والأخلاق ، ولكنها كانت متنوعة في الشرائع والأحكام والفروع ، ذلك أن الشرائع مراعى فيها طبيعة كل قوم والمرحلة التي يمرون فيها ، والمصالح التي تخصهم ، ومن ثمّ كان لا بد أن تختلف الشرائع باختلاف الزمان والمكان والأقوام لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ( 48 ) [ المائدة ] . وبناء على ذلك كانت الشرائع اللاحقة تنسخ بعض أحكام الشرائع السابقة ، كما نسخت شريعة عيسى عليه السلام بعض أحكام التوراة التي جاء بها موسى عليه السلام والمشار إليها بقوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ( 50 ) [ آل عمران ] ، ومثل هذا النسخ إنما يكون في نطاق القوم الذين تتابعت عليهم عدة رسالات ، ذلك أن الشرائع السابقة كانت خاصة بأقوام معينين ، ومن هنا فلا يتصور أن تنسخ شريعة خاصة بقوم شريعة أخرى خاصة بقوم آخرين . أما شريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلم فقد جاءت للناس كافة وللبشرية عامة ، ومن هنا كانت ناسخة لكل ما تقدمها من الشرائع ، ولأنها الشريعة المتوافقة مع الفطرة : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ( 30 ) [ الروم ] بينما الشرائع السابقة كانت تمهد السبيل أمام الشريعة الخاتمة ، وذلك بمعالجة انحرافات النفوس والمجتمعات عن الفطرة السوية ، ولذلك كانت كل شريعة منها تركز على جانب الانحراف الذي يمتاز به القوم الذين جاءت من أجلهم ، حتى إذا ما أصبح الناس أقرب للفطرة السوية جاءت الرسالة العامة الشاملة لتقودهم في مدارج الرقي